الاثنين، 29 أكتوبر، 2012

تاريخ النسيان .. اليمنى أم اليسرى ؟



أمام الباب الموصد تحت وطأة السؤال : بأي اليدين صافح حارس العقار ، هل كانت اليمنى ، هل بدا الأمر طبيعيا ؟ أتى إلى هنا مخمورا أكثر من مرة و انصرف كثيرا و هو غير واع ، و لكن تلك المصافحة ربما كانت علامة إن كان بكامل قواه العقلية أم أنه فقد السيطرة حتى و إن كان ذلك بشكل مؤقت ، يضغط الجرس بشكل متتابع و لا تأتيه إجابة ليست هناك إشارة إلى وجود أحد بالداخل ، تتجاهله ، تلك الأفكار تنهشه أمام الباب الموصد الذي لا يبدو أنه سيفتح ، ربما عليه أن يعود أدراجه إلى المنزل ليغضب على إنفراد و يعد خطة ، هكذا كان يفكر ، تراجع عن الباب و سمح لجسده المنهك بقليل من الراحة على أولى درجات السلم ، صوت بدا كما لو كان حركة تنبعث من خلف الباب الموصد ، ثم لا شئ  ، أنهكه الانتباه المفاجئ أكثر ، تداهمه نوبة من الضحك الهستيري ، ضحكاته الهستيرية المكتومة تملئ عينيه بالدموع و لا يتوقف عن الضحك و يمسك رأسه الذي يسحقه صداع خاطف ، هل انقطع النور ؟ تحسس دموعه التي بدأت تجري على خديه ، هو لا يفهم ما يحدث ، هل أصابه العمى ؟ يتحسس الجدران  و ينهض و يضغط زر الجرس فيسمع الصوت ، لا يدري شيئا عن العبث الذي يجري الآن ، في حذر يعود إلى موقعه على درجة السلم الأولى ، يسند رأسا يمتلئ عن آخره إلى الجدار ..

و يجري في الشارع المظلم بكل طاقته ، كان يدخن سيجارة تكاد تنتهي و على بعد خطوات تقترب منه حفرة صغيرة تجمع فيها الماء فتذكر كل اللقطات الخالدة لانطفاء السجائر في حفرة صغيرة يتجمع فيها الماء في شارع شبه مظلم ، خيط دخان يتصاعد  و ذبول النار المفاجئ  و صوت يشبه تهشم داخلي رقيق ، ألقى السيجارة في الماء فانقلبت ليبقى الجزء المشتعل إلى الأعلى ، مد قدمه في حركة عفوية و أطفئ السيجارة و غاصت قدمه و اكتشف أن الحفرة أكثر عمقا مما قدر ، سحب قدما مثقلة خارج الماء ، الدوائر التي ولدتها حركة قدمه في الماء تسكن ، ثم تقع عينيه على صورة ما في الماء فيجري في الشارع المظلم بكل طاقته ، ثم يتذكر أنه لا يمكنه تحديد الصورة التي رآها في الماء فيتوقف منهكا ..

ينتظر لبعض الوقت ممسكا طرف الغطاء الأبيض أعلى وجهه ، ثم يزيحه و يختلس النظر إليها ، فتتصنع الاستياء و تداري الضحك في دلال يبدو في صوتها الذي يأمره بأن يتوقف ، فيعيد رفع الغطاء الذي يحجب الرؤية في نعومة ، ثم يعيد الكرة و يزيحه فيرى ظهرها العاري تلتفت له مرة أخرى ، و قبل أن تقول يعيد هو رفع الغطاء و يستمر هذا ، حتى تؤلمه ذراعيه فيبقي الغطاء على وجهه و تجتاحه رغبة في النوم ، يرى الآن ظلال الأشياء من خلف الغطاء الأبيض ، يحاول أن يزيحه ليرى الأشياء ذاتها فيبدو عاجزا ، بذراعين مفرودين عن آخرهما ، يتعلق خلف الغطاء الأبيض يرى تفاصيل ما يدور بين ظلها و ظل الغريب ، ظلان يلتحمان في تؤدة و صبر ، يمنحه الوقت ليحتار هل هو غاضب ، و لماذا يغضب ؟ من هي ؟ ما هي طبيعة العلاقة التي تربطه بها أو تربطها به فقط كل ما بينهما هو رفع الغطاء و إزاحته ، و ذراعين مفرودين عاجزين عن إزاحة الغطاء أرهقهما الوضع ، و صخب نهاري و جاذبية أرضية ، و جسده المعلق خارج البناية لصق النافذة ، و اختيار البقاء معلقا مع الألم يبدو منافيا للواقع ، و اختيار ترك هذا الجسد ليهوي الآن أيا كانت النتائج .. حدث بالفعل.

يرفع رأسه عن الجدار ، و يهبط درجات السلم بلا تفكير ، بوادر الصباح تملئ طرقات ساكنة ، تتحرك تدريجيا في كسل ، و هو برأس فارغ يسبق كل شئ ، يتحدى أتوبيس نقل عام أن يصل إلى المحطة قبله و يسبقه ، و يعبر إلى الجانب الآخر من كوبري تعبره السيارات القليلة مسرعة قبل أن يعبره مركب شراعي ، و يعد مائة و خمسين كتابا و مجلة و جريدة قبل أن يجد بائع الجرائد عملات معدنية باقي لزبون ابتاع الجريدة قبل أن يبدأ هو في العد ، و حفظ الأرقام و الأسماء المخزنة على هاتفه المحمول قبل أن يلقي به في الماء و يعاود ذكرها أثناء المشي ، و يصل إلى مقهاه المفضل بعد ما يقارب خمسة آلاف و مائة خطوة ، خلال الخمسة آلاف الأولى منها لم يكن يعلم أنه ذاهبا إلى المقهى ، و صافح عامل المقهى ، و جلس يفكر إذا كان صافحه باليد اليمنى أم اليسرى ، و تردد كثيرا حتى قرر أنه سيسأله عن ذلك ، و اكتشف أنه نسي كوب الشاي حتى أنه أصبح باردا ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق